محمد بن جرير الطبري
216
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وما في قوله : " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء " ، من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعمَّ به غيره ؟ وقد علمت تظاهُر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم ، فأخبر عن المؤمنين أنهم يفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى الجنة يَشمون منها رَوْحها ، ويستعجلون الله قيام الساعة ، ليصيروا إلى مساكنهم منها ، ويجمع بينهم وبين أهاليهم وأولادهم فيها = وعن الكافرين أنهم يُفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى النار يَنظرون إليها ، ويصيبهم من نَتنها ومكروهها ، ويُسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة من يَقمَعُهم فيها ، ويسألون الله فيها تأخيرَ قيام الساعة ، حِذارًا من المصير إلى ما أعد الله لهم فيها ، مع أشباه ذلك من الأخبار . وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما الذي خُصَّ به القتيل في سبيل الله ، مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة ، وسائرُ الكفار والمؤمنين غيرُه أحياءٌ في البرزخ ، أما الكفار فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك ، وأما المؤمنون فمنعَّمون بالروح والريحان ونَسيم الجنان ؟ قيل : إنّ الذي خَصّ الله به الشهداء في ذلك ، وأفادَ المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره ، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في بَرْزَخِهم قَبل بعثهم ، ومنعَّمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر ، من لذيذ مطاعمها الذي لم يُطعمها الله أحدًا غيرَهم في برزخه قبل بعثه . فذلك هو الفضيلة التي فضَّلهم بها وخصهم بها من غيرهم ، والفائدة التي أفادَ المؤمنين بالخبر عنهم ، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [ سورة آل عمران : 169 - 170 ] ، وبمثل الذي قُلنا جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 2323 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، وَعَبدة